أبو نصر الفارابي
7
احصاء العلوم
وموضوع علم الرياضة الجوهر المحسوس غير المتحرك ، وموضوع العلم الإلهي الجوهر اللامحسوس واللامتحرك . وفرق بين علم الأخلاق وعلم السياسة المدنية والفن في أن الأول يهتم بسلوك الفرد ، والثاني بسلوك الجماعة في المدينة ، والثالث يتناول الإنتاج الخيالي واليدوي . وربما قلل من إمكان توجيه اللوم للفارابي على إهماله وضع أسس لتصنيف العلوم اعتباره مؤلفه « إحصاء » للعلوم . وهناك فرق آخر بين الفارابي وأرسطو هو أن الفيلسوف اليوناني لم يجعل المنطق أحد العلوم ، وإنما اعتبره آلة العلوم . أما الفارابي فقد أحصاه في جملة العلوم . والاسم الذي أطلقه أرسطو على المنطق يدل على أنه آلة العلم وليس العلم ذاته ، ذلك الاسم هو LL nonagro L أي الآلة . ومهما كانت الأسباب التي حملت أبا نصر على وضع كتابه هذا ، فقد أولى موضوع تصنيف العلوم اهتماما كبيرا . لقد عالج هذه المسألة في كتب أخرى عدا الكتاب الذي بين أيدينا ، منها كتاب « تحصيل السعادة » وكتاب « التنبيه على سبيل السعادة » . ونحن نراه هناك يذكر معظم العلوم التي أحصاها هنا ، ويعرف بها ويحدد موضوعاتها ويبرز أهميتها . ولكن الغاية من ذكر العلوم هنا تختلف عن الغاية من ذكرها هناك . إن غايته هنا ليست سوى الإحصاء والإحاطة بوجود هذه العلوم وموضوعاتها . أما الغاية هناك فهي التأكيد على أن هذه العلوم هي سبب السعادة الحقة ، وبكلمة أخرى إن من ينشد السعادة عليه تحصيل هذه العلوم . وهو في مذهبه هذا يردد رأي أرسطو القائل إن أقصى الخيرات السعادة ، والسعادة هي المعرفة العقلية الفلسفية التي توفر للمرء أسمى أنواع اللذة .